'sponsored links'

عنوان الكتاب:  الانسداد التاريخي - لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي ؟


المؤلف: هاشم صالح 


المترجم / المحقق: غير موجود


الناشر: دار الساقي 


الطبعة: الإلكترونية 2011 م


عدد الصفحات: 326



حول الكتاب:
"هناك انطباع شائع – وربما وهمي – أن الفكر موجود في كل مكان أو متوافر في كل البلدان. فحيثما يوجد بشر أو شعب ما أو لغة ما يوجد فكر بالضرورة. وحيثما توجد جامعات ودراسات عليا وشهادات دكتوراه يوجد الفكر. في الواقع، إن الفكر أكثر ندرة مما نتوقع. بل إن الأمر الطبيعي هو ألا يوجد الفكر، الأمر الطبيعي هو أن يسهو الناس عن الفكر، أن ينسوا الفكر، أن يعيشوا في غفلة وبحبوحة من العيش بعيدا عن حمأة الفكر. بالطبع إذا كان المقصود بالفكر الحد الأدنى من التفكير وتدبير شؤون المعاش والحياة اليومية – أو حتى كتابة رسالة دكتوراه ! – فإنه متوافر على كافة الأصعدة والمستويات. كل البشر يسرحون إلى أعمالهم ويدبرونها ما استطاعوا إلى ذلك تدبيرا. ولكن إذا كان المقصود بالفكر انبثاق تصور جديد للأشياء، أو انهيار تصور سابق، أو سقوط مرحلة وبداية مرحلة، فإن الفكر نادر جدا. ولكي يظهر الفكر – أي لكي يحصل ذلك الحدث الصاعق الذي يشبه (( فلق الصبح )) – ينبغي أن تتوافر عدة شروط أولها الكارثة. بمعنى: ينبغي أن تحصل كارثة حقيقية لكي يولد الفكر، لكي ينبت الفكر في الأرض البوار.
 الفكر نور ينبجس من رحم الظلام، وضد الظلام. ولكن الظلام لا تنفرج أساريره عن وضح الصبح إلا بعد أن يلفظ آخر أنفاسه : أي بعد أن يشهد آخر عتمة – العتمة التي تسبق مباشرة فلق الصبح.
هذا يعني أن الفكر عملية صعبة، مريرة لا تعطي نفسها بسهولة. بمعنى آخر : لا يدخل ساحة الفكر من يشاء. وربما حاول أحدهم بكل الوسائل أن يصبح مفكرا يشار إليه بالبنان، وبذل من أجل ذلك الغالي والرخيص، وسهر عليه الليالي، ثم لم يتوصل في نهاية المطاف إلى أكثر من دارس جيد أو أكاديمي مفيد. وربما حاول أحدهم أن يهرب من الفكر بكل الوسائل، وأن يكرس حياته لشيء آخر غير الفكر : للحب مثلا أو للمتع أو للعيش والنجاح في الحياة ... فإذا به يجد كل ذلك يهرب من بين أصابعه. ويجد نفسه مقودا، كما لو غصبا عنا، إلى أن يدخل حلبة الفكر إلى أن يصبح مفكرا.
الفكر غير مضمون النتائج سلفا، أو منذ البداية. إنه مخاطرة كبرى لا يجرؤ عليها إلا أولئك الذي أصيبوا بجرح عميق ، أو في العمق. هؤلاء هم الذين يستطيعون أن يدخلوا حلبة الفكر أو معمعة الفكر. لماذا ؟ لأنهم خسروا كل شيء تقريبا، ولأنهم كانوا قد دفعوا الثمن مسبقا، ودفعوه باهظا. كلما كبر الجرح كبر الفكر. كلما غار في الأعماق والأقاصي، كان الفكر يانعا،قويا،طيبا. وأكاد أراهن على انه لولا مرضه لما أصبح نيتشه مفكرا. ولكن كان ينقصه شيء واحد لكي يصبح مفكرت: كان يلزمه أن يسقط صريع المرض، وأن يترك الجامعة، وأن يهيم على وجهه وحيدا، هامشيا، ضائعا. كان يلزمه أن يدفع الثمن باهضا، ومن شخصه. كانت تلزمه صدمات أو خيبات تكاد تهد الجبال – بما فيها خيبة الحب – كان يلزمه أن يصل إلى نقطة حرجة، نقطة حدية تفرض عليه خيارين لا ثالث لهما : إما أن يفكر وإما أن ينتحر !
إذا كان ذلك ينطبق على الأفراد فلماذا لا ينطبق على الأمم والشعوب ؟ الأمم أيضا ينبغي لها أن تدفع الثمن باهظا قبل أن تمسك بأول الخيط الذي يؤدي إلى النور. الأمم أيضا تشعر أحيانا بأنها مهددة في وجودها ، في تماسكها وكينونتها. وينبغي لها أن تشهد كارثة حقيقية لكي تنبت فيها فكرة واحدة أو حتى نصف فكرة ذات معنى. لكي نستطيع أن نطرح سؤالا واحدا على الواقع ينبغي أن يحصل انهيار، أن ينفجر في وجهنا زلزال. ذلك أن السؤال محجوب في أعماق الواقع ومكبوت في تلافيفه واحشائه الخفية. من يجرؤ على الاقتراب من السؤال مسافة أكثر من اللازم احترقت يداه، وربما عميت عيناه. ذلك أن السؤال محمي ومحروس بالأسلاك الشائكة، السؤال مقفل عليه بالرتاج. ممنوع أن تقترب من السؤال الأعظم. ممنوع أن تنظر إليه، أن تحدق فيه ، أن تطرح عليه علامة استفهام. ذلك أن السؤال مطموس منذ زمن طويل إلى حد أنه لم يعد يبدو سؤالا. لقد تحول إلى جواب نهائي قاطع ومانع لقد أصبح مسلمة بديهية لا تحتاج إلى نقاش. لقد فقد تاريخيته وغاص في أعماق الزمن السحيق، وخلع عليه الزمن المتطاول حلة التقديس.
يضاف إلى ذلك أن السؤال محروس بالرجال، هناك قوى كاملة بعددها وعدتها مستعدة في كل لحظة للانقضاض على من تسول له نفسه أن يقترب ولو مجرد اقتراب من منطقة السؤال. هناك جيوش كاملة من المراقبين والشيوخ والحراس والموظفين. هناك أمة بأسرها كانت قد بنت مشروعيتها، وأسست كيانها وهويتها على طمس السؤال، على تقييد السؤال بالأغلال، على تحويل السؤال إلى جواب. من يستطيع إذن أن ينبش السؤال من تحت الأنقاض، أن ينفض عنه الغبار، أن ينزع من حواليه الألغام؟ ويل لمن تسول له نفسه أن يقترب من منطقة السؤال ! .... هل وصلت الأمة العربية إلى مرحلة النبش عن الصورة الحقيقية ؟ هل يمكن اعتبار الكوارث التي حصلت أخيرا – 11 سبتمبر / أيلول مثلا – بمنزلة الإنذار أو مؤشر الخطر إلى أننا قد اقتربنا من منطقة السؤال الأكبر؟ بمعنى آخر : هل كان ينبغي أن تحصل كارثة بحجم هذا الحدث لكي نجرؤ على طرح سؤال واحد له معنى على التراث الإسلامي؟ وهل نستطيع أن نقول : (( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم )).
 بلا ريب، ولكن لا ينبغي أن نستعجل الأمور أو أن نتفاءل أكثر من اللزوم، فالمعركة لما تكسب بعد وهي بالكاد ابتدأت. الشئ الذي يلفت الانتباه هو أنه بعد كل ما حصل من أحداث جسام ( كحرب الخليج الأولى والثانية و 11 سبتمبر وحرب أفغانستان وحرب العراق وتفجيرات بالي ومدريد ولندن وشرم الشيخ ...) لم تكن كافية للتجاسر على الاقتراب من السؤال الأعظم  الخاص بالتراث العربي الإسلامي ! ولكن كل الأعين أصبحت تحوم حولها. كل أبصار الكرة الأرضية أصبحت متركزة عليها. وهذا بحد ذاته تقدم ما بعده تقدم. ولن تنزاح عنا الأعين بعد اليوم حتى نقبل بمراجعة تراثنا وتاريخنا على ضوء المناهج العقلية كما فعلت الأمم المتطورة.
فالتراث الذي ترتكب باسمه أبشع أنواع العنف والإرهاب سوف يدفع الثمن عاجلا أو آجلا، طال الزمن أو قصر. ولن يستطيع أن يفلت من عملية المحاسبة أو الغربلة التاريخية الصارمة كما فعل من قبل مرات ومرات. كل شيء يدل على أن المسلمين يقتربون أكثر فأكثر من منطقة الاستحقاقات الكبرى التي لا مفر منها وأولها:
إخضاع تراثهم للدراسة العلمية والمساءلة الشديدة تماما كما حصل للتراث المسيحي في أوروبا بعد محاكم التفتيش والحروب المذهبية وإرهاب العقول. ولكن الانسداد لا يزال مطبقا، وأخطبوط القديم لا يزال صامدا بل قادرا على الضرب وإيقاف أي محاولة لفتح أضابير التراث المغلقة. انظر ما حصل لكتاب المستشرق الألماني نولدكه عن تاريخ القرآن في بيروت وكيف منعوه من الانتشار وربما ارعبوا مترجمه وناشره بل حتى قارئه. وقد خصصنا له فصلا في هذا الكتاب للدلالة على مدى الانسداد التاريخي الذي يشعر به العالم العربي ويشله شللا ويمنعه من التقدم والنهوض وفتح الانسداد لن يحصل هذه المرة من طريق أنصاف الحلول والتسويات الجبانة التي تجبرنا في كل مرة على العودة إلى نقطة الصفر من جديد. هذه المرة سوف ندخل صلب الموضوع مهما كلفنا ذلك من صمن. فالانسدادات التاريخية ناتجة بالضبط عن هيمنة مجموعة من اليقينيات المطلقة التي لا تقبل النقاش والتي أصبحت عالة علينا وعلى العصر والبشرية بأسرها. هذه اليقينيات الجماعية الكبرى التي تحظى بمرتبة القداسة والعصمة هي التي تقدم الحماية المعنوية، بل تخلع المشروعية الإلهية على أعمال الإجرام والإرهاب. فعندما يتلو الزرقاوي أو سواه آية قرآنية قبل أن يذبح الرهائن من الوريد إلى الوريد أمام كاميرات التلفزيون فهذا يعني أن المسألة لن تقتصر عليه وحده بعد اليوم. وإنما ستتجاوزه لكي تصل إلى النص ذاته أو على الأقل إلى الطريقة الخاطئة لفهم النص واستخدامه بطريقة وحشية ما انزل الله بها من سلطان. أعتقد أني كنت قد وجهت ضربات موجعة لهذه اليقينيات الجماعية  الكبرى من خلال ترجماتي لأعمال محمد أركون. وقمت بتعرية أشياء كثيرة كاشفا عن وجهها البشري التاريخي ، هي التي تقدم نفسها وكأنها إلهية، منزلة، معصومة. وهذه هي الطريقة الوحيدة لتحرير الوعي العربي من تلك اليقينيات المعصومة التي تشربناها مع حليب الطفولة والتي تؤدي إلى هذا الإجرام كله. إنها الطريقة الوحيدة لفتح الانسداد التاريخي : أي فتح ثغرة ولو صغيرة في جدار التاريخ المسدود . ذلك أنه لا معنى لتحرير الأرض قبل تحرير السماء.
 عن أي شيء ينتج الانسداد التاريخي الذي يمنع العرب وكل الشعوب الإسلامية من الانطلاق الآن ؟ عن التناقض المطلق بين النص والواقع : أقصد بين النص وكل التطورات العلمية والسياسية والفلسفية التي جاءت بها الأزمنة الحديثة. فالالتزام بحرفية النص يؤدي بالمسلم إما إلى إنكار منجزات الحداثة كلها بل الحقد عليها وإعلان الحرب على العصر كما يفعل الظواهري وبن لادن، وإما إنكار النص نفسه والشعور بعدئذ بالإحساس الرهيب بالخطيئة والذنب. وهكذا يقع المسلم في تناقض قاتل لا مخرج منه. والحل لن يكون إلا بالتأويل المجازي للنص والاعتراف بالمشروطية التاريخية للنص كما فعل المسيحيون في أوروبا بعد التنوير وتشكيل اللاهوت الليبرالي في القرن التاسع عشر. كل ما جاء في النص عن خلق العالم والإنسان وتشكل الظواهر الطبيعية من أمطار ورياح ورعد وبرق وسوى ذلك ، لا ينبغي أن يؤخذ بحرفيته وإنما ينبغي أن يفسر بشكل مجازي. لماذا ؟ لأنه يتناقض كليا مع الحقائق العلمية والقوانين الفيزيائية التي توصلت إليها العلوم الطبيعية الحديثة. والشيء نفسه ينطبق على التشريعات والحدود الواردة في النص كقطع الأيدي والأرجل والجلد والرجم وللذكر مثل حظ الأنثيين إلخ ... فهو مضاد لحقوق الإنسان وكرامته ولكل الشرائع التي جاءت بها الحضارة الحديثة والتي تتخذ طابعا كونيا الآن. ولكن لا يمكننا التخلص من هذه الأشياء إلا إذا اعترفنا بالبعد التاريخي للنص : أي بمشروطيته التاريخية بالقرن السابع الميلادي وشبه الجزيرة العربية، ثم بالبيئة السورية والعراقية في القرون الهجرية الثلاثة الأولى حيث تبلورت الشريعة أو الفقه القديم الذي نعتقد أنه كله منزل من السماء، في حين إنه من صنع البشر ومشروط بعصره كما كشف المستشرق الكبير جوزيف شاخت وبقية العلماء الكبار.
والاعتراف بتاريخية النص لا يعني إنكار تعاليه أو استلهامه الرباني من حيث القيم الروحية والأخلاقية والميتافيزيقية أو الماورائية، وإنما يعني التفريق بين ما هو عرضي فيه وما هو دائم ، بين التاريخي فيه وما فوق التاريخي. والأحكام والحدود هي تاريخية مرتبطة بعصرها من دون أدنى شك، ومن ثم فهي غير ملزمة لنا. ولكن من يستطيع أن يتحرر منها؟
لقد عانى المسيحيون الأوروبيون كثيرا من الانسداد التاريخي ولم يستطيعوا الخروج منه إلا بعد القبول بتطبيق المنهج التاريخي الحديث على نص الإنجيل والتوراة. وقد نتجت من هذا التطبيق فوائد عظيمة ليس أقلها التفريق بين قشور الدين وجوهره، الشيء الذي أتاح لاحقا تحقيق المصالحة التاريخية بين المسيحية والحداثة. ولكن ذلك لم يحصل إلا بعد صدامات مروعة وكر وفر ... وما يحصل الآن حول الإسلام من معارك فكرية وسياسية ليس إلا المقدمة التمهيدية لفتح كل الملفات القديمة المغلقة منذ ألف سنة أو أكثر : كملف خلق القرآن مثلا الذي أغلق كليا بعد انتصار الحنابلة على المعتزلة بدءا من المتوكل. وهكذا حصل انقلاب على المأمون وكل العقلانية العربية الإسلامية. وهو انقلاب لا نزال ندفع ثمنه حتى هذه اللحظة. ولو أن أطروحة المعتزلة هي التي انتصرت لاستطعنا إعادة تأويل القرآن من جديد بسهولة أكبر ولما حصل هذا الانسداد التاريخي الذي نعنيه حاليا. كنا استطعنا تحقيق المصالحة الكبرى بين الدين والعقل أو بين الإسلام والحداثة. وكنا استطعنا تطوير القوانين والتشريعات في المجتمعات العربية. أما الآن فالحالة مسدودة لأن النص يقف حاجزا ضد التطور.
هذه هي بعض القضايا التي حاولت أن أحفر عليها في هذا الكتاب بأشكال شتى وطرق مختلفة من خلال التذبذب المستمر بين الماضي والحاضر وبين التاريخ الأوروبي والتاريخ العربي الإسلامي. ولا أعرف إذا كنت قد استطعت إضاءتها بالشكل الكافي. ولكني بذلت جهدي وأنا أعرف أن مسائل عويصة من هذا النوع لا تحل في كتاب واحد أو بواسطة شخص واحد. وإنما تلزمها جهود كل المفكرين العرب (( للإجهاز )) عليها إذا جاز التعبير."



'sponsored links'
'sponsored links'
تابعني على
هل اعجبك الموضوع ؟ ؟

Post a Comment

 
Top