'sponsored links'

عنوان الكتاب: تاريخ الفكر الأوروبي الحديث ( 1601 - 1977 م ) 


المؤلف: رولاند سترومبرج 


المترجم / المحقق: أحمد الشيباني


الناشر: دار القارئ العربي


الطبعة: الثالثة 1415 هـ / 1994 م


عدد الصفحات: 782



حول الكتاب:
"في البدء كان الفكر. ومن ثم الفعل، وإن كل حضارة هي المولود الشرعي للتزاوج الموفق بين الفكر والفعل. فالحضارة تجسد الفكر من خلال الفعل. أما الفعل فهو لغة الفكر ولسان الحضارة. لذلك كان تاريخ كل حضارة هو قصة جولات الفكر وصولاته في ميدان الفعل الأمر الذي اختلط على شاعر ألمانيا الأكبر يوهان فولغانغ غوتيه القائل (( في البدء كان الفعل لا الكلمة )). ولا غرو في ذلك فغوتيه، وبالرغم من شطحاته الصوفية، يبقى الابن البار للحضارة المادية الغربية. ولا جدال أننا لا ولن نستطيع البتة فصل الفكر عن فعله. فالفعل هو ممارسة الفكر لوجوده ، وتأكيد الحضارة لفكرها. لذلك كان الفعل الحضاري الثمرة الرئيسية، لا بل الوحيدة لما يعرف في علم النفس بالشبكة الديناميكية DYNAMIC LATTICE  وأعني بهذا تشابك العلاقات بين الدوافع وبين ضروب السلوك الهادف والبناء.
  وهكذا فإن هذا الكتاب حينما يتناول الفكر الأوروبي الحديث بالعرض والتحليل والنقد، فإنما يقصد بذلك حصاد الحضارة الأوروبية من حقول العلوم والآداب والفنون ، بما لهذه من مرتكزات دينية ومذهبية وفلسفية ومناخات أيديولوجيات سياسية واجتماعية واقتصادية، وذلك ابتداء بالربع الثاني من القرن السابع عشر وانتهاء بالربع الثالث من القرن العشرين، أي عصرنا هذا.
  والمتأمل في المدة الزمنية المحددة آنفا، وفيما لها من مراحل ومنجزات ، ليدرك فورا أنها ومراحلها تشكل، كما أعتقد، حقبة رئيسية، لا بل الحقبة الرئيسية من حقب الحضارة الأوروبية. إنها، كما يخيل إلي ، حقبة الانعطاف، انعطاف الفكر الأوروبي الحاسم عن المادية فلسفة ومنهجا واتجاهه نحو الإيمان بالله خالق الإنسان وبارئ الكون وناظمه وراعيه. وهكذا تراني أعتقد بأن الفكر الأوروبي، وبعد ألم معاناة على دروب التجربة والخطأ، والضرب طويلا في صحاري المكابرة ومتاهات الغرور، قد بدأ ينتظم في مسار روحي واضح، فعلومه، ولا سيما الفيزياء منها قد تمردت على مقولات ديكارت ودواماته. وقوانين نيوتن ونظرياته، وتجريبية فرنسيس بيكون وسواهم من جهابذة العلم التقليدي، وخرجت بإنسانها من ميادين الحس والمحسوس، وانطلقت تركض لاهثة لتلحق بركب الدين، الأمر الذي يفسر لنا اليوم أسباب نشوء جيل الرفض في دول المعسكر الماركسي . كما يفسر أيضا الصحوة الدينية التي تعيشها اليوم شعوب الأرض. ولا عجب في ذلك فالمادية كانت وما زالت أعجز من أن تحل تناقضاتها الباطنية وهي لم تستطع الإجابة عن عدد من الأسئلة الجوهرية، وأولها العلة الأولى وهكذا وجدت الحس يرسي قواعدها على المغالطة وخداع الحواس.
  وعندما اخترت هذا الكتاب لنقله إلى اللغة العربية، أقدمت على ذلك مدفوعا بقناعتي بأنه أولا بمثابة النعرة للفلسفة المادية وللأنظمة المنبثقة عنها. وبشقيها الليبرالي والماركسي، وبأنه ثانيا سيسد جزئيا من فراغ في المكتبة العربية، وسيجد له مكانا على رف من رفوف بعض المكتبات المنزلية وسيوفر شيئا من عون لطلاب العلوم الإنسانية في جامعات شتى الأقطار العربية، وسيسهم ولو قليل إسهام في توسيع دائرة الثقافة الشعبية، إذ أنه صورة ليست بالمهزوزة ولا بالظلالية لمعاقل علوم الحضارة الغربية ولمحاضن آدابها وفنونها. أضف إلى ذلك أن مؤلف هذا الكتاب ينبش عددا لا بأس به من العلوم والفلسفات والعقائد والمناهج والنظريات والمذاهب والمقولات من مدافن حضارة الغرب، وينفض عنها تراب القرون ويخرجها من زوايا النسيان ويعود بها من جديد إلى ميدان الذاكرة ليسلط عليها أضواء التحليل والنقد ليظهر أثرها في الحاضر وارتباطها بالمستقبل، مؤكدا على كونها لبنات رئيسية وأحيانا أحجار زاوية في صرح الحضارة الغربية، الأمر الذي ينطبق أيضا على كل حضارة أخرى من حضارات البشر.
  ولا خلاف أن الحضارة بصورة عامة، ليست بإنجاز جيل أو جيلين أو ثلاثة أو أكثر. فهي تولد بولادة أمتها وتتطور بتطورها وتندثر هيكلا باندثارها. لكن جوهرها لا يندثر. فجوهر كل حضارة هو الإنسان حيث تتمثله، أو بالأحرى يتمثل حضارة تلي، فيغير من عاداته ونهج سلوكه ويبدل في زاوية مطله على الأمور والأشياء، ويوسع في دائرة معرفته فيهجر الكثير من القديم ويبتدع الجديد، ولن حالما يقطع الغرور أو المكابرة صلته بربه، فإنه يهجر نفسه ويغترب عن ذاته فيجلده القلق بسياط الضياع وتقذف به الحيرة إلى مستنقع الشهوة، وتلقي به الشهوة إلى براثن العبث، وهنا يعاوده القلق من جديد، فيزيل الغشاوة عن بصيرته، فيستيقظ ضميره ليقود عقله عائدا به إلى الإيمان بالله عز وجل، الأمر الذي يترك مؤلف هذا الكتاب للقارئ استنتاجه خلال رحلته الطويلة مع الفكر الأوروبي الحديث."



'sponsored links'
'sponsored links'
تابعني على
هل اعجبك الموضوع ؟ ؟

Post a Comment

 
Top