'sponsored links'

عنوان الكتاب: طفولة نهد - شعر


المؤلف: نزار قباني 


المترجم / المحقق: غير موجود


الناشر: منشورات نزار قباني 


الطبعة: الثالثة والعشرون 1989


عدد الصفحات: 51



حول الكتاب:
"حكاية الشعرْ كحكاية الوردة التي ترتجف على الرابية ، مخدة من العبير.. وقميصاً من الدم ..
إنكَ تحبها هذه الكتلة الملتهبة من الحرير التي تغمز إصبعك ، وأنفكَ ،
وخيالكَ ، وقلبكَ ، دون أن يدور في خلدك أن تمزقها ، وتقطعَ قميصها  الأحمر ، لتقفَ على سر هذا الجهاز الجميل الذي يُحدثُ لك هذه الهزة العجيبة ، وهذه الحالة السمحة ، القريرة ، التي تغرقُ فيها.... 
وحين تفكرُ في هذا الإثم يوماً ، فتشقَّ هذه اللفائف المعطورة ، وتذبح هذه الأوراق الصبية ، لتمدَّ أنفكَ في هذا الوعاء الأنيق ، الذي يفرز لك العطر ، ويعصرُ لك قلبه لوناً ، حين تدورُ في رأسك هذه الفكرةُ المجرمة ،
لا يبقى على راحتك غيرُ جثة الجمال .. وجنازةِ العطر.
وفي الفن ، آما في الطبيعة ، وفي القصيدة آما في الوردة وآما في اللوحة البارعة ، يجب أن لا نعمدَ إلى تقطيع القصيدة ، هذا الشريط الباهر النديّ من المعاني ، والأصباغ ، والصور ، والدندنة المنغومة.
حرامٌ أن نمزق القصيدة لنحصي ( كمية ) المعاني التي تنضمُّ عليها ، ونحصر عددَ تفاعيلها ، وخفيَّ زُحافاتها ، ونقفَ على ( لون ) بحرها ..
فالإحصاء ، والسحابُ ، والتحليلُ ، والفكرُ المنطقيُّ يجب أن تتوارى كلها ساعة التلقين المبدع . لأن آل هذه المَلَكات العقلانية الحاسبة ، فاشلة في ميدان الروح ..
فالقمر .. هذا الينبوع المفضض الذي بذر على الكون جدائل الياسمين ..
يُحدثُ لكَ ولي ولكل إنسان حالة حبيبة ملائمة . إنك تفتح قلبك له ، وتغمسُ أهدابكَ في سائله الزنبقي دون أن تعرف عن هذا ( الجميل ) أكثر من أنه قَمَر .
ولو اتفق أن أوضحَ لكَ فلكيٍّ سرَّ القمر ، وأجواءه ، وجباله الجرداء ، وقممه المرعبة ، وأدار لك الحديث عن معادنه ، ودرجة حرارته ورطوبته، إذنْ لأشفقتَ على قلبك ، وأسدلتَ ستارتكَ..
إذن ، فلنقرأ آما ننظر إلى القمر .. بطفولة ، وعفوية ، واستغراق .
فالتذوق الفنيُّ آما قال الفيلسوف الايطالي كروتشه في كتابه ( المجمل في هو Intuition فلسفة الفن ) هو عبارة عن ( حدس غنائي ) . والحدس الصورةُ الأولى للمعرفة ، وسابق لكل معرفة ، وهو من شأن المخيلة ، وهو بتعبير آخر الإدراك الخالي من أي عنصر منطقي .
إذنْ فكل أثر فني يجب أن يُسْتقبل عن طريق ( الإدراك الحدسي ) لا (المنطقي ) أو ( الذهني ) ، لأن هذا النوع الأخير من الإدراك ميدانه العلم والظواهر المادية .
يقول كروتشه :
" .. على الناقد أن يقفَ أمام مبدعات الفنّ موقفَ المتعبد لا موقف القاضي ، ولا موقفَ الناصح ، وما الناقدُ إلا فنانٌ آخر يُحسُّ ما أحسه الفنان الأول فيعيش حدسهُ مرة ثانية ، ولا يختلف عنه إلا في أنه يعيش بصورةٍ واعيةٍ ما عاشه الفنان بصورة غي واعيةٍ .. ".
ومتى تم انتقال هذه السيَّالة الدافئة من الأصباغ ، والنغم ، والغريزة والإنفعال .. إليكَ ، تنتهي مهمةُ الشعر ، فهو ليس أآثر من (كهربةٍ جميلة) تصدم عصبك ، وتنقلك إلى واحاتٍ مضيئة مزروعة على أجفان السحاب.
*
مهمة القصيدة كمهمةِ الفراشة .. هذه تضعُ على فم الزهرة دفعة واحدة جميعَ ما جنتهُ من عطر ورحيق ، منتقلة بين الجبل والحقل والسياج ..
وتلك – أي القصيدة – تفرغُ في قلب القارئ شحنة من الطاقة الروحية تحتوي على جميع أجزاء النفس ، وتنتظمُ الحياة كلها.
يجب أن لا نطلب من الشعر أآثرَ من هذا . ويتجنى على الشعر الذين يريدون منه أن يغلَّ غلة ، ويُنتج ريعاً . فهو زينة وتحفة باذخة فحسب ..
كآنية الورد التي تستريح على منضدتي ، لستُ أرجو منها أآثرَ من صحبة الأناقة .. وصداقة العطر ..
لذلك نشأتُ على كره عنيد للشعر الذي يُرادُ من نظمه إقامة ملجأ .. أو بناءُ تكيَّة .. أو حصرُ قواعد اللغة العربية ، أو تأريخُ ميلاد صبي ، أو تعدادُ مآثر الميت على رخامة قبره .
قرأتُ في طفولتي تعاريفَ كثيرة للشعر ، وأهزلُ هذه التعاريف " الشعر هو الكلامُ الموزونُ المُقَفَّى ".
أليس من المخجل أن يلقن المعلمون العرب تلاميذهم في هذا العصر ، عصر فلق الذرة ، ومراودةِ القمر ، مثل هذه كلأكذوبة البلهاء ؟
ماذا تقول للشاعر ، هذا الرجل الذي يحمل بين رئتيه قلبَ الله ، ويضطربُ على أصابعه الجحيم ، وكيف نعتذر لهذا الإنسان الإله الذي تداعب أشواقه النجوم ، وتفزع تنهداته الليل ، ويتكئ على مخدته الصباح ، كيف نعتذر له بعد أن نقول له عن قصيدته التي حبكها من وهج شرايينه ، ونسجها من ريش أهدابه " إنها آلام " !."



'sponsored links'
'sponsored links'
تابعني على
هل اعجبك الموضوع ؟ ؟

Post a Comment

 
Top